|

د.محمد الزهراني
المشرف العام على مجمع الأمل للصحة النفسية
أطلق على القرن العشرين عصر القلق نتيجة تشابك عوامل عديدة أهمها الحروب بأنواعها الساخنة والباردة والأزمات الاقتصادية المتزايدة , ونخشى أن يكون القرن الحادي و العشرين عصر المخدرات والإرهاب مما يعني أن الفرد يعيش حالات من الاضطراب ومشاعر الخطر , وهذا يؤدي إلى عدم الالتزام بمعايير المجتمع وإلى إفساح المجال لإشباع نزوات الفرد ومنها تعاطي المخدرات...
لذا يجب النظر إلى تفاقم المشكلات المرتبطة بالإدمان والدعوة إلى زيادة البرامج الوقائية وتفعيلها بمختلف الاتجاهات لأن البرامج العلاجية من واقع تجاربنا لا تكفي لوحدها في مواجهة الآثار النفسية والجسدية والاجتماعية الناتجة عن الإدمان....
إن ضرورة تفهم المجتمع لهذه المشكلة باعتبارها قضية مجتمع ينطلق من أن مضاعفاتها تتعدى الفرد والأسرة إلى المجتمع...
ولاحظنا مؤخراً تناول وسائل الإعلام باستمرار موضوع قائمة الانتظار في الدخول لقسم علاج الإدمان والسعة السريرية التي لا تفي بتلك الأعداد ولم يسلم مجمعنا من هذه الملاحظة ... لكن الحقيقة التي يجب أن يدركها الآخرون أن هذه الزيادة في الانتظار لا تعني زيادة عدد المتعاطين بقدر ماهي دليل قوي على أن المجتمع أصبح واعياً ومدركاً ومتفهماً أن حقيقة الإدمان لا تنطوي آثاره على الفرد أو الأسرة فقط وإنما تطول أثاره المجتمع بكل أطيافه وألوانه ومختلف مستوياته...
وفي مجال التوعية أود أن أركز هنا على جانب مهم ألا وهو التنشئة الاجتماعية وبخاصة دور الأسرة والمدرسة.
كما أن مستوى التعقد والتدخل الذي بلغته مشكلات الحياة في العالم الحديث وما واكب ذلك من تقدم هائل في العالم سواء من حيث المعلومات أو من حيث المنهج و الأسلوب يمكننا من أن نضيف دوماً كل ماهو جديد في مجال العلاج و الوقاية معاً.
الإدمان كسائر الأمراض الأخرى لكن له خاصية تجعلني أقول مرض ليس كسائر الأمراض وهذا ليس تناقضاً في كلامي فالمدمن لا يطرق باب الطبيب إلا بعد أن يكون قد فقد كل شيء في الدنيا, المال و العمل والأهل والصحة, فنلاحظ من هو مصاب بمرض غير الإدمان يذهب إلى الطبيب ويكون معه المال و ربما يكون على رأس العمل ومعه أهله...
فمن المفارقات الغريبة في الإدمان بالرغم من انه تتدخل في معالجته معظم أجهزة الدولة إلا أن الشفاء منه رهن إرادة المريض نفسه أولاً وأخيراً مهما كان للأسرة والمجتمع دور في ذلك.
خاصية أخرى لمرض الإدمان .. هل سأل كل مدمن أو حتى متعافي نفسه لماذا يتم العلاج من الإدمان في سرية تامة؟
ولماذا لا تكون هناك سرية في الأمراض الأخرى كالسكر والضغط وغيرها مثلما هي السرية في الإدمان؟ اعتقد أن الجميع يعرف الإجابة خاصة إخواننا المدمنين ..
مرة أخرى أعود للعمل الوقائي, فلابد أن يستند إلى أسس سليمة و محددة حتى تكون النتائج مرضية وفعالة ولعل أهم هذه الأسس توفير قاعدة كافية ودقيقة من المعلومات والبيانات المستمدة من الدراسات العلمية التي تعتمد على استقراء الواقع أكثر من مجرد الملاحظات الانطباعية أو العبارات الإنشائية المتكررة...
وفي هذا المجال لم يقتصر دور المجمع على البرنامج العلاجي وإنما كان للدور الوقائي مساحة كبيرة في مختلف الجهات من خلال مناسبات عدة إضافة إلى الأنشطة الداخلية للمجمع والخارجية التي يشارك فيها بعدد كبير من المحاضرات و المعارض على مدار العام...
قبل الختام...
أن ولوج المتعافي في هذا الفردوس الأسود يوهم نفسه بأنه يقوم برحلة مغرية لكن سرعان ما يكتشف أنها رحلة مرعبة نهايتها اختلال التوازن أو الصحة أو الموت...
لذا يجب الشفاء المبكر من الإدمان رغم أن الشفاء ينطوي على آلام كبيرة لابد منها باعتبارها شيئاً متوقعاً وعادياً خاصة إذا أدركنا أنه مع نهاية هذه الآلام أن حياة جديدة سوف تبدأ... |